كبف نفهم السعادة؟ وكيف نحققها؟

كتب فى : 16-11-2014 | الكاتب : علي بن سليمان الحامد | الزيارات : 3995 | التعقيبات : 0

 

 

كيف نَفْهَمُ السَّعادَةَ ؟ وكيف نُحقِّقُها ؟

السعادةُ مَطلَبٌ إنسانِيٌّ , وأُنشُودَةٌ عالمية , كلٌّ يتمنّاها , وكلٌّ يطلبها , وكُلٌّ يُغنِّي على ليلاه , ويرى أن السعادةَ عنده وهو الذي يعرف طريقَها , وكلُّ أمةٍ ترى أن السعادةَ كامنةٌ في ثقافتهاوموروثِها الديني والأدبي, ولعلي أقف هنا وقفةَ الملتمس أغوارَ السعادة , القارئ ما يعتلجُ في النفوس من بحث عنها وعن مفهومها , فأقول : السعادة نوعان :سَعادةٌ عامة , وسَعادةٌ خاصة .
فالسعادةُ العامة يَطْلُبُها كلُّ إنسانٍ على هذهِ البسيطَة , وهي مبثوثة في العالَمِينَ , بَرِّهِمْ وفاجرِهم، مُسْلِمِهم وكافِرِهم , وكلُّ فردٍ في الدنيا يمكنُ أن يحصل عليها , وهي تعني راحةَ البالِ، والتفانِي في العمل , وخدمة الناسِ , والعيش في جَوٍّ عائِلِي هادئ , والحصول على مَلَذَّاتِ الدُّنيا دونَ مُنَغِّصَاتٍ وأَكْدار .

ولهذا امْتَنّ الله على عِبادِه ( بني آدم ) بالرِّزْقِ , وامْتَنَّ عليهِم بالإِكْرامِ والتَّفْضِيلِ : {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} (70) سورة الإسراء وهذه صفاتٌ تَجْلب السَّعادةَ لمن أخذَ بها , دونَ النَّظرِ لِجْنسه أو لونِه أو دينِه، والله سبحانه وتعالى امتَنَّ على عِبادِه بأن يَسّرَ لهم جَميعَ النِّعَمِ , فَرَزقهم من الأنعام ما يأكلون , ورزقهم من الحيوان ما يركبون , وأنزل لهم الماء الذي منه يشربون , وأنبت لهم النبات الذي منه يقتاتون , وسَخَّرَ لهم الفضاءَ بكواكِبِه , والبحرَ بعجائبه , والبَرَّ بِجِباله وأنهارِه وسَباسِبه , ثم قال بعد ذكر هذه النعم التي تجلب السعادة ولا تختص ببشر دون آخرين {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} انظر سورة النحل ( 3 – 18)فلولا أن مِثْل تلك النعم تَجْلب السعادة وهناء العيش لما امْتَنَّ الله بها على الناس .

        والآيات التي تدل على وجودِ السعادة الدنيوية كثيرةٌ , وظاهِرَةٌ لمن تأملها , ولهذاوصف الله الدنيا بأنها زينة :{اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ } (20) سورة الحديد. وحين تكون الحياة زينةً ولَعِباً فهذا يعني أنها حياةٌ سَعِيدَة , وهذا لا يختص بأمة دون غيرها على أن كل شَعْبٍ من شعوب الأرض يرى السعادةَ من وجهة نَظَرِه الخاصةِ به, فمن الشعوب من يرى السعادةَ في العمل , ومنهم مَنْ يراها في استقرارِ العَيشِ , ومنهم من يراها في الثراء والغِنى, ومنهم من يراها بالرضا والقناعة وغيرها ...قال إبراهام لنكولن : " إن الناس يسعدون بقدرما يَسْتَقِرُّون"ومن الحكماء من يرى السعادةَ في مساعدة الآخرين , قال دايل كارنيجي : " لكي تكسَبَ الطُّمَأنينةَ والسعادةَ فاتبعْ هذه النصيحة : تَنَاسَ نفسك , واجعل اهتمامَك يَنْصَبُّ على الآخرين, واعمل كلّ َيوم عَملا طَيِّبا يُوجِد ُالبَهْجَةَ على وجه أخيك الإنسان" .
            النوعُ الثاني من السعادة : هي السَّعادةالخاصَّةُ , وهي السَّعادةُ الحقِيقِيَّة التي لا ينالها إلا المؤمِنُ التَّقِيُّ الذي يؤمِنُ بالله وحْدَه لا شريكَ له , ويؤمِنُ بقضاءِ الله وقَدَرِه , ويَصْبِرُ على الشَّدائِدِ , ويَطْمَئِنُّ بذكر الله تعالى , ويُقْبِلُ على ربِّه بنفسٍ تَقِيَّةٍ نَقِيَّةٍ راضِيَة.قال تعالى : {الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} (28) سورة الرعد، وقال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}(97) سورة النحل.ومن صَدَّ عن ذِكْرِ الله تعالى , وعَنِ الصَّلاة , وعَنِ الخيرِ فَلَهُ الحياةُ الشَّقِيَّةُ , وإن تظاهرَ بالسعادة , قال الحق تبارك وتعالى : {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} (124) سورة طـه، وقال جل شأنه : {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} (36) سورة الزخرف .

وفي هذه السعادة الإيمانية يجد المؤمن انشراح صدره , وبردَ اليقين في قلبه , فيجعل الله له من كل هَمٍّ فرجا , ومن كل ضِيقٍ مخرجا ؛ إذ كان يسير بحياته على نورٍ من الله تعالى وبصيرة :   { أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ } (22) سورة الزمر، وهذه السعادة الإيمانية عليها مَدارُ السَّعادة في الدَارَيْن , فمن سَعِدَها في الدنيا كان بها أسعدَ يوم القيامة , ومن فَقَدها فهو في الآخرة أعمى وأضَلُّ سبيلا {فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ , خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ , وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ} (106- 108) سورة هود .

وبالجملة فإن السعادةَ بنوعيها لا تَحْصُل إلا بنفس فاضِلَةٍ خالية من الحقد والحسد , مؤمنة بقضاء ربها , راضيةٍ قَنُوعَةٍ , تُحِبُّ الخيرَ للآخَرِينَ , وتَحْتَمِلُ الأذَى قَدرَ إمكانها , فَتَسْعَدُ بِرُقِيِّ نَفْسِها , وصَفاءِ وُجْدَانِها .قال المنفلوطِيُّ : " مَنْ أرادَ أن يَطْلُبَ السَّعادةَ فليطلُبْها بينَ جَوانِبِ النَّفْسِ الفَاضِلَةِ, وإلا فَهُو أشْقى العَالَمِين "، نسأل الله تعالى أن نكون من السعداء في الدنيا والآخرة.

 

 

علي بن سليمان الحامد

22/1/1436 .

 

 



نموذج التعقيبات

الاسم
البريد الالكتروني
 

الإحصائيات

الزيارات :
exception 'Exception' with message 'GAPI: Failed to authenticate user. Error: "https://developers.google.com/accounts/docs/AuthForInstalledApps "' in /home/aram/public_html/gapi-1.3/gapi.class.php:418 Stack trace: #0 /home/aram/public_html/gapi-1.3/gapi.class.php(62): gapi->authenticateUser('google@wasm.sa', 'google@wasm') #1 /home/aram/public_html/model/summary/side/summary.inc(26): gapi->__construct('google@wasm.sa', 'google@wasm') #2 /home/aram/public_html/themes/default/box.php(10): include('/home/aram/publ...') #3 /home/aram/public_html/sides/getSides.php(75): include('/home/aram/publ...') #4 /home/aram/public_html/themes/default/footer.php(4): getSides('Left', 1, 'div', 'col-md-3 col-sm...') #5 /home/aram/public_html/index.php(74): require_once('/home/aram/publ...') #6 {main}
0
الصفحات : 33
المحتويات : 34
أقسام الموقع : 4
تعقيبات الزوار : 171